عبد القادر السلوي
846
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
ودخلت إلى خمّار آخر ، فقلت : إنّي أريد ملء هذا الزّقّ خمرا ، فانظر إلى ما معي منه ، فإن كان عندك مثله فأعطني . فنظر إليه ، وإنّما أردت أن لا يستريب بي إذا رددت الخمر عليه ، فلما رآه قال : عندي أجود منه . قلت : هات ، فأخرج إليّ شرابا فاكتلته في الزّقّ الذي فيه الماء . ثم دفعت إليه الدّرهم الزائف ، فقال لي مثل قول صاحبه ، فقلت : خذ خمرك فأخذ ما كال لي ، وهو يرى أنّي « 1 » خلطته بالشراب الذي أريته إياه . وخرجت فجعلته مع الخمر الأول . ثم لم أزل أفعل ذلك بكلّ خمّار في الحيرة ، حتى ملأت زقّي الأول وبعض الآخر . ثم رجعت إلى أصحابي ، فوضعت الزقين بين أيديهم ، ورددت درهمهم ! فقالوا لي : ويحك ! أيّ شيء صنعت ؟ فحدّثتهم فجعلوا يعجبون . وشاع « 2 » ( لي ) الذّكر في العرب بالدّهاء حتى اليوم . وروي عنه أنّه قال « 3 » : اجتمع نفر من بني مالك « 4 » للوفود على المقوقس « 5 » « 2 » ( وأخذوا ) له الهدايا فخرجت معهم وليس معهم من الأحلاف غيري ، فلمّا دخلنا الإسكندرية ، فإذا المقوقس في مجلس مطلّ على البحر فحاذيت مجلسه ، فنظر إليّ فأنكرني ، فأمر من يسألني من أنا وما أريد ، فسألني فأخبرته أمرنا وقدومنا عليه فأمر بإنزالنا وأجرى علينا ضيافة ، ثم دعانا فنظر إلى رأس بني مالك ، فأدناه إليه وأجلسه معه ، ثم سأله : أكلّ القوم من بني مالك ؟ فقال : نعم إلّا رجلا واحدا من الأحلاف وعرّفه إياي ، فكنت أهون القوم عليه .
--> ( 1 ) ج : أنه ، وهو غلط . ( 2 ) ما بين القوسين ساقط من ج . ( 3 ) من الأغاني 16 / 80 - 82 بتصرف إلى قوله : " بالأمس يا غدر " والخبر في السيرة 2 / 213 - 214 وطبقات ابن سعد 4 / 285 - 286 والمعارف 295 وتاريخ الطبري 2 / 627 موجزا وهو في سير أعلام النبلاء 3 / 24 . ( 4 ) بنو مالك من ثقيف بالطائف السيرة 2 / 314 ، 437 ، 449 وتاريخ الطبري 3 / 97 ، 98 . ( 5 ) هو ملك الإسكندرية وصاحبها ، وقد دعاه الرسول الله عليه وسلم إلى الإسلام فبعث إليه حاطب بن أبي بلتعة ، فكاد يسلم ، لكنّه أحجم خوفا من قومه . السيرة 1 / 7 ، 191 وأنساب الأشراف 448 - 449 ، 510 وتاريخ الطبري 2 / 645 . وانظر الكوكب الثاقب 870 - 872 .